المكالمة التي لا تنتهي

المكالمة التي لا تنتهي

المكالمة التي لا تنتهي

المكالمة التي لا تنتهي في تمام الثانية وأربعين دقيقة بعد منتصف الليل، رنّ هاتف هاني. رقم غير محفوظ. تجاهل المكالمة، فالهاتف كثيرًا ما يستقبل اتصالات خاطئة في هذا التوقيت. بعد دقيقة، رنّ مرة أخرى. ثم مرة ثالثة. عندما أجاب أخيرًا، لم يسمع صوتًا في البداية… فقط تنفّس بطيء، عميق، كأن المتصل يقف قريبًا جدًا من الميكروفون.

قال هاني بضيق:
“مين؟”
جاءه الرد بصوت متقطّع، متردد، وكأنه يحاول تذكّر كيف يتكلم:
“ما… ما تقفلش.”

انقطعت المكالمة. جلس هاني يحدّق في الهاتف، إحساس غريب بالبرد يسري في أطرافه. حاول الاتصال بالرقم، لكن الشبكة أخبرته أن الرقم غير موجود. في تلك الليلة، لم ينم. وعندما بدأ يهدأ قرب الفجر، رن الهاتف مرة أخرى. نفس الرقم. نفس النفس الثقيل. لكن هذه المرة، كان الصوت أوضح:
“إنت سمعتني قبل ما تمشي.”

ظنّها مزحة سخيفة. ربما أحد زملائه. لكن الصوت لم يكن ضاحكًا، لم يكن بشريًا بالكامل. كان خاليًا من أي نبرة مألوفة. أغلق الهاتف ووضعه على الطاولة. وبعد ثوانٍ، أضاءت الشاشة من جديد، دون رنين. ظهرت رسالة واحدة:
أنا واقف وراك.

التفت هاني بسرعة. لا أحد. الغرفة كما هي. عاد ينظر إلى الهاتف، فوجد رسالة ثانية:
ما تلفّتش قوي… مش بحب أشوف وشي.

في الليالي التالية، أصبحت المكالمات جزءًا من حياته. لا تأتي في وقت ثابت، لكن دائمًا في الليل، ودائمًا بنفس الجملة تقريبًا. الصوت كان يصف أشياء لا يراها هاني إلا عندما يلتفت. يقول له عن ظل في الزاوية، عن حركة خلف الستارة، عن شخص يقف في الممر. وفي كل مرة، عندما يجرؤ هاني على النظر، يكون الشيء قد اختفى… لكن الإحساس بوجوده لا يزول.

في إحدى الليالي، جمع شجاعته وسأل:
“إنت عايز إيه مني؟”
جاء الرد هادئًا، كأنه جواب بسيط:
“عايزك تكمّل المكالمة.”

لم يفهم حتى أدرك الحقيقة المرعبة. الصوت كان يضعف كل ليلة، يصبح أبطأ، متقطّعًا، وكأنه يموت. بينما صوت هاني… أصبح هو الذي يُسمع أوضح، أعلى، حتى عندما لا يتكلم. في المكالمة الأخيرة، سمع صوته هو يخرج من الهاتف، يقول:
“ما تقفلش.”
ثم انقطع الخط.

في الصباح، وُجد هاتف هاني مفتوحًا على الطاولة. المكالمة مستمرة منذ ثماني ساعات. لكن هاني لم يكن في الشقة. لاحقًا، بدأت الاتصالات تصل إلى أرقام أخرى. نفس النفس الثقيل. نفس الجملة الأولى.
والآن… الهاتف يرنّ.

Scroll to Top