الطَرق الذي لم يكن يجب أن يُفتح

الطَرق الذي لم يكن يجب أن يُفتح

الطَرق الذي لم يكن يجب أن يُفتح

لم يكن أحمد يؤمن بالقصص التي يتداولها الناس عن البيوت المسكونة أو الأصوات الغامضة في منتصف الليل. كان يعتبرها مجرد أوهام يصنعها الخوف والوحدة، حتى انتقل إلى ذلك البيت القديم في أطراف المدينة. بيت رخيص، معزول، تحيط به أشجار كثيفة تحجب ضوء الشارع، وكأن المكان يتعمد أن يبقى في الظل. منذ الليلة الأولى، شعر بشيء غير مريح، ليس خوفًا واضحًا، بل إحساسًا ثقيلًا في الصدر، كأن الهواء نفسه يضغط عليه. تجاهل الأمر وأقنع نفسه أن السبب هو الإرهاق.

بعد أسبوع، بدأت الأصوات. طرق خافت على الجدار المجاور لغرفة نومه، دائمًا في نفس التوقيت: الثالثة فجرًا. لم يكن طرقًا عشوائيًا، بل منتظمًا… ثلاث ضربات، توقف، ثم ثلاث أخرى. في البداية ظنها مواسير المياه، لكن الطرق كان يأتي من داخل الجدار نفسه، قريبًا جدًا، كأن شخصًا يقف خلفه مباشرة. في كل مرة، كان يجلس على السرير متجمدًا، يحدق في الظلام، منتظرًا أن يتوقف. والأغرب أنه كلما حاول الرد بالطرق، ساد الصمت فورًا.

في الليلة الرابعة عشرة، قرر أحمد أن يواجه الأمر. عندما بدأ الطرق، نهض ببطء، وضع أذنه على الحائط، وهمس بصوت مرتجف:
“مين هناك؟”
لم يتوقف الطرق، لكنه تغير. صار أبطأ، أثقل… وكأن الشيء خلف الجدار قد سمعه. ثم سمع صوتًا منخفضًا، مشوشًا، كأن أحدهم يتحدث من تحت الماء:
“افتح…”
ابتعد أحمد مذعورًا، قلبه يكاد يخرج من صدره. الصوت لم يكن تخيلًا، كان واضحًا بما يكفي ليقتل أي شك.

في اليوم التالي، بحث في سجلات البيت. اكتشف أن العائلة السابقة اختفت بالكامل منذ أكثر من عشرين عامًا. الأب، الأم، وطفلهما الصغير. الشرطة أغلقت القضية لعدم وجود أدلة. لكن تفصيلة واحدة جعلت الدم يبرد في عروقه: البلاغ الأخير من الجيران كان عن سماع طرق متواصل من داخل الجدران لعدة ليالٍ قبل اختفائهم.

في تلك الليلة، لم يستطع النوم. جلس في غرفة المعيشة، كل الأنوار مضاءة. عند الثالثة تمامًا، انطفأت الكهرباء فجأة، وعاد الطرق، هذه المرة من كل الجدران، كأن البيت كله ينبض. الأصوات لم تعد همسات، بل بكاء مكتوم، صراخ مخنوق، وأصوات أظافر تخدش من الداخل. ثم سمع صوت طفل، واضح، قريب جدًا، يقول:
“بابا… أنا هنا.”

انهار أحمد، وركض نحو الباب الرئيسي، لكنه لم يفتح. الطرق تحول إلى ضرب عنيف، والجدران بدأت تتشقق. ومن إحدى الشقوق، خرجت يد بشرية، شاحبة، عارية، تتلمس الهواء. ثم يد أخرى. ثم وجه… وجه مشوه، عيناه فارغتان، فمه مفتوح في صرخة بلا صوت. فهم أحمد الحقيقة في تلك اللحظة: العائلة لم تختفِ… لقد حُبست داخل الجدران.

في صباح اليوم التالي، جاء الجيران بعد سماع ضجيج طوال الليل. وجدوا البيت هادئًا، خاليًا، ولا أثر لأحمد. لكنهم لاحظوا شيئًا جديدًا: خلف أحد الجدران، ظهرت ملامح وجه بشري بارزة، كأنه يحاول الخروج. وعند الاقتراب، سمعوا طرقًا خافتًا… ثلاث ضربات، توقف، ثم ثلاث أخرى.

ومنذ ذلك اليوم، أصبح البيت مهجورًا. لكن في كل ليلة، عند الثالثة فجرًا، لا يزال هناك من يطرق… وينتظر من يفتح.

Scroll to Top