الدرج الذي ينزل إلى لا شيء
الدرج الذي ينزل إلى لا شيء قصه رعب لم يكن الدرج موجودًا في بيت محمود قبل تلك الليلة. عاش في شقته الصغيرة بالطابق الثالث أكثر من سبع سنوات، وكان يعرف كل شبر فيها؛ كل تشقّق في الحائط، كل صوت تصدره المواسير، وكل صرير في أرضية الخشب. لكن في ليلة ممطرة، حين انقطعت الكهرباء، وأضاء محمود هاتفه ليذهب إلى المطبخ، لاحظ بابًا خشبيًا ضيقًا في نهاية الممر، حيث كان يفترض أن يكون جدارًا مصمتًا. الباب لم يكن مغلقًا بالكامل، وكان خلفه ظلام أعمق من أي ظلام رآه من قبل، ظلام لا يعكس ضوء الهاتف بل يبتلعه. في تلك اللحظة شعر محمود بشيء يتحرك داخل صدره، إحساس غريزي بأن هذا الباب لم يكن يجب أن يُفتح أبدًا، ومع ذلك… كان هناك شيء في أعماقه يدعوه للاقتراب.
عندما لمس مقبض الباب، كان باردًا لدرجة مؤلمة، كأن شخصًا ميتًا قد أمسك به قبله بثوانٍ. فتحه ببطء، فظهر درج ضيق ينزل إلى أسفل، درجاته من حجر قديم متآكل، وكأن آلاف الأقدام مرت عليه عبر قرون. الهواء الخارج منه كان رطبًا، فاسدًا، مشبعًا برائحة عفن وشيء آخر… شيء يشبه رائحة لحم فاسد. من أسفل، سمع صوتًا خافتًا، لا يمكن تمييزه، كأنه همهمة عشرات الأصوات تتحدث في وقت واحد. حاول إغلاق الباب، لكن أصابعه لم تتحرك. جسده كله كان متجمدًا، وكأن الدرج أمسك بروحه قبل جسده.
مع كل خطوة نزلها محمود، كان يشعر وكأن الجدران تقترب منه، وكأن المكان يضيق ليحتويه. الضوء من هاتفه بدأ يضعف، لا لأن البطارية تنفد، بل لأن الظلام كان يبتلعه. على الجدران، ظهرت خدوش عميقة، وكأن أظافر بشرية حاولت الهرب من هذا المكان ولم تنجح. ومع كل درجة، كانت الهمسات تصبح أوضح، حتى بدأ يميز كلمات… أسماء. أسماء أشخاص. بعضهم لم يعرفهم، لكن البعض الآخر… كان يعرفهم جيدًا. أسماء أصدقائه، زملائه، وحتى اسم أمه المتوفاة. كانوا ينادونه، يطلبون منه أن ينزل أسرع، أن يأتي إليهم، أن “يكمل”.
عند نهاية الدرج، انفتح ممر طويل، أرضيته سوداء لامعة كأنها مغطاة بطبقة من شيء لزج. في نهايته، كانت هناك غرفة واسعة، وفي وسطها حفرة ضخمة، بلا قاع مرئي. حول الحفرة، وقف أشخاص… أو ما تبقى منهم. وجوه شاحبة، عيون غائرة، أجساد نصف شفافة، وكأنهم لم يعودوا ينتمون للعالم المادي. عندما رأوه، التفتوا في نفس اللحظة، وابتسموا ابتسامة واحدة، ابتسامة مليئة بالجوع. فهم محمود في تلك اللحظة الرهيبة الحقيقة: هذا المكان لا يصطاد الناس… بل ينتظرهم حتى يأتوا بأنفسهم.
حاول محمود الركض، لكن الأرض التصقت بقدميه، وسحبته ببطء نحو الحفرة. الأيدي الباردة أمسكت به من كل جانب، عشرات الأيدي، أصابعها طويلة جدًا، قوية جدًا، وكلها تجره للأسفل. سمع أصواتهم الآن بوضوح، لم يعودوا يهمسون، بل يصرخون:
“واحد منّا… واحد منّا…”
رأى داخل الحفرة ظلالًا تتحرك، تتلوى، تصعد وتهبط، كأنها أرواح لم تجد الموت ولا الحياة. وعندما سقط فيها، لم يشعر بالاصطدام… بل شعر بأن العالم كله قد انغلق فوقه.
في صباح اليوم التالي، دخل جار محمود شقته بعد أن لم يرد على هاتفه. كل شيء كان طبيعيًا… إلا باب خشبي صغير في نهاية الممر لم يكن موجودًا من قبل. ومن خلفه… كان هناك درج ينزل إلى ظلام لا نهاية له.

