الزائر في منتصف الليل
كانت ليلة شتاء باردة، والريح تعصف بالأشجار كأنها تحاول الدخول إلى المنزل. أحمد جلس على أريكته القديمة، يقرأ كتابًا عن الأساطير القديمة، محاولًا أن يبعد ذهنه عن الوحدة التي تملأ المنزل الكبير. منذ وفاة والديه قبل عامين، أصبح المنزل خاوياً، والصمت يضغط على كل زاوية فيه.
في تمام الساعة الثانية عشرة، سمع أحمد صوت خطوات خفيفة على السلم العتيق. توقف عن القراءة، والتفت نحو الباب. لم يكن يتوقع أحدًا أن يزور المنزل في هذا الوقت. “ربما مجرد حلم”، قال لنفسه، لكنه لم يشعر بالطمأنينة.
تكرر الصوت مرة أخرى، أقوى هذه المرة، وكأن شخصًا يصر على الصعود. مسرعًا، أخذ مصباحه اليدوي وتوجه نحو السلم. مع كل خطوة يقترب من العلية، شعر بقشعريرة تسري في جسده. لم يكن هناك أحد، لكن هناك إحساس غريب، كأن هناك عينين تتبعه من الظلام.
وصل إلى العلية، حيث الهواء أكثر برودة. فجأة، انفتح باب صغير في الزاوية تلقائيًا. قلبه بدأ ينبض بسرعة، لكنه دفع نفسه للاقتراب. داخل الغرفة الصغيرة، وجد كرسيًا قديمًا يهتز من تلقاء نفسه. وعلى الأرض، كانت هناك رسالة مكتوبة بالدم:
“أنت التالي”
صرخة انفلتت منه، لكنه لم يجد مكانًا يهرب إليه. فجأة، أُغلق الباب بقوة خلفه، والضوء خفت تمامًا، تاركًا أحمد في ظلام دامس. أصوات همسات بدأت تحيط به من كل جانب، وكأن الجدران تتنفس.
مع مرور الوقت، بدأ يسمع خطوات قريبة منه، تتوقف عند الكرسي القديم، ثم تتحرك بعيدًا، لكنها لم تترك أثرًا. حاول فتح الباب، لكنه كان مغلقًا بإحكام. عندها شعر بيد باردة تلمس كتفه. استدار بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد.
في لحظة يأس، جلس على الأرض وبدأ يقرأ من الكتاب الذي أحضره. مع كل كلمة ينطقها، شعور غريب بدأ يملأ الغرفة، وكأن الظلال تتقاطع حوله. فجأة، ظهر له شكل مظلم، طويل وشفاف، يحدق فيه بعينين حمراء مشتعلة.
“لماذا أنا؟” همس أحمد بصوت مرتجف.
الظل لم يرد، لكنه اقترب أكثر، حتى أصبح فوقه مباشرة. قلب أحمد كان على وشك الانفجار، لكنه شعر بأن شيئًا غريبًا يحدث—الظل بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا، وترك خلفه مفتاحًا قديمًا على الأرض.
بعد دقائق من الصمت، تمكن أحمد أخيرًا من فتح الباب، ونزل السلم بسرعة. في صباح اليوم التالي، قرر أن يترك المنزل، لكنه أخذ المفتاح معه. لم يعرف ما الذي يفتحه، لكنه شعر أن تلك الليلة كانت مجرد بداية لحكاية أكبر، وأن الزائر لم يرحل بعد.

